فصل: (مسألة:لباس الرجل في الصلاة)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي



.[مسألة:الثوب الشفاف]

ويجب ستر العورة بما لا يصف لون البشرة، وهو: صفة جلده: أنه أسود، أو أبيض، وذلك يحصل بالثوب، والجلد، وما أشبههما.
قال في "الفروع" وإن وصف الثوب خلقته على التفصيل، لم يجز، وإن صفها على الجملة.. جاز.
وإن صلى في الماء... قال في "الإبانة" [ق\ 71] فإن كان كدرًا، صحت صلاته، وإن كان صافيا.. لم تصح؛ لأن الكدر لا يمكن أن يوصف معه لون البشرة، ويمكن ذلك مع الصافي.

.[مسألة:ما تلبس المرأة لصلاتها]

قال في "الأم" [1/78] (وتصلي المرأة في الدرع والخمار، وأحب إلي ألا تصلي إلا في جلباب، فوق ذلك تجافيه عنها؛ لئلا يصفها الدرع).
وجملة ذلك: أنه يستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب: قميص سابغ: تغطي به، بدنها وقدميها، وخمار: تغطي به رأسها وعنقها، وإزار غليظ: فوق القميص والخمار.
وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، وعائشة، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وتكثف جلبابها).
قال أبو عبيد: (الجلباب) الخمار والإزار.
وقال الخليل: (الجلباب) أوسع من الخمار، وألطف من الإزار.
وقوله: (تكثف جلبابها)، أي: تجعله كثيفا، حتى لا يصفها.
وقيل (تكثف جلبابها)، أي: تعقده.
وقيل: تكفت، أي تجمع، مأخوذ من (الكفات)، وهو: الجمع قال الله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا} [المرسلات: 25]، {أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} [المرسلات: 26] يعني: تجمع الأحياء في ظهرها، والموتى في بطنها.
وأقل ما يجزئ في سترها: الدرع إذا كان سابغا، والخمار، لما ذكرناه في حديث أم سلمة.

.[مسألة:لباس الرجل في الصلاة]

وأما الرجل: فالمستحب له: أن يصلي في ثوبين: قميص ورداء: أو قميص وإزار، أو قميص وسراويل، أو إزار ورداء.
والأصل فيه: ما روي ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من يزين له، فإن لم يكن له ثوبان... فليأتزر إذا صلى، ولا يشتمل اشتمال اليهود» فإن أراد أن يصلي بثوب واحد... فالقميص أولى من غيره؛ لما روي: «أنه كان أحب الثياب إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القميص».
ولأنه أعم في الستر من غيره.
فإن كان ضيق الجيب لا ترى منه العورة إذا ركع... جاز.
وإن كان واسع الجيب، ترى منه العورة، لم يجز إلا أن يزره، فإن لم يزره، ولكن شد وسطه بحبل.. جاز؛ لما «روى سلمة بن الأكوع قال: قلت: يا رسول الله، إنا نكون في الصيد، أفيصلي أحدنا بالقميص الواحد؟ قال: نعم، وليزره، ولو لم يجد إلا أن يخله بشوكة».
فإن كانت لحيته طويلة، فسدت الجيب، أو كان في ثوبه خرق مقابل لعورته، فستره بيده. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح، لأن ذلك بعض منه.
والثاني: يصح، وهو الصحيح، لأن ذلك سترة ظاهرة، فأشبهت الثوب.
فإن لم يكن قميص.. فالرداء أولى من الإزار والسراويل؛ لأنه يستر العورة، ويبقى منه شيء على الكتف، فإن كان الرداء واسعا.. التحف به، وخالف بين طرفيه على عاتقيه. وإن كان ضيقا.. ائتزر به؛ لما روى جابر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا كان الثوب واسعا.. فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقا,.. فاشدده على حقويك».
وروى سلمة بن الأكوع قال: «رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي في ثوب واحد ملتحفا به، مخالفا بين طرفيه على منكبيه».
فإن اجتمع إزار وسراويل.. فأيهما أولى؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول المحاملي،: أن السراويل أولى؛ لأنه أجمع في الستر.
والثاني: وهو المنصوص في "الأم" [1/77] (أن الإزار أولى) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن لم يكن له ثوب.. فليأتزر»، ولم يقل: فليتسرول. ولأن الإزار يتجافى عنه، فلا يصف الأعضاء، والسراويل تصف الأعضاء.
فإن لم يكن معه إلا إزار أو سراويل.. فالمستحب: أن يطرح على منكبيه شيئا... فإن لم يجد شيئا.. طرح عليه حبلا، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا يصلين أحدكم في ثوب ليس على عاتقه منه شيء»..
وأقل ما يجزئ الرجل في الستر: مئزر أو سراويل.
وقال أحمد: لا يجزئه، حتى يطرح على عاتقه منه شيئًا؛ للخبر.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن لم يكن له ثوبان.. فليأتزر إذا صلى».
والخبر نحمله: على الاستحباب.

.[مسألة:كراهة اشتمال الصماء وغير ذلك]

يكره اشتمال الصماء؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن اشتمال الصماء».
واختلف في صفتها:
فذهب أهل اللغة إلى أن صفتها: أن يشتمل الرجل بثوب واحد فيجلل به جسده، ولا يرفع منه جانبا يخرج منه يده، وربما اضطجع على هذه الحال؛ لأنه لا يدري لعله يصيبه شيء، يريد الاحتراز منه، ويقيه بيديه، فلا يمكنه ذلك، وإنما سميت: صماء، لأنه يسد على يديه المنافذ، كالصخرة الصماء، ليس فيها صدع، ولم يذكر ابن الصباغ غير هذا.
قال أبو عبيد: وذهب الفقهاء إلى أن صفتها: هو أن يشتمل الرجل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه إلى أحد جانبيه، فيضعه على منكبه، فيبدو منه فرجه.
قال أبو عبيد: والفقهاء أعلم بالتأويل في هذا، الأول أصح في الكلام.
ويكره أن يسدل في الصلاة وفي غيرها، وأن يغطى فاه في الصلاة، لما روى أبو هريرة «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن السدل في الصلاة، وأن يغطي فاه».
قال أبو عبيد: و (السدل) أن يسدل الرجل إزاره من جانبيه، ولا يضم طرفيه بيديه، كما يقال لإرخاء الستر: سدل.
ويكره للمرأة أن تنتقب في الصلاة؛ لأن وجهها ليس بعورة.

.[مسألة:الصلاة في ثوب الحرير أو المغصوب أو ما فيه صور]

ولا يجوز للرجل: أن يصلى في ثوب حرير ولا عليه، لأنه يحرم عليه لبسه في غير الصلاة، ففي الصلاة أولى.
فإن صلى فيه، صحت صلاته؛ لأن النهي لا يختص بالصلاة.
فإن لم يجد العريان غير ثوب الحرير، قال ابن الصباغ: فعندي أنه يجوز له: أن يصلى فيه، ولا يصلي عريانا... لأنه موضع عذر.
فإن صلى عريانا.. قال القاضي أبو الفتوح بطلت صلاته.
وقال أحمد بن حنبل: (تصح صلاته)، وليس بصحيح، لأن معه سترة طاهرة.
وقال الصيمري: وإن صلى في ثوب مغصوب، أو دار مغصوبة، أو توضأ بماء مغصوب.. فصلاته في ذلك كله صحيحة، وأما ثوابها: فإلى الله سبحانه.
وأما المرأة: فيجوز لها أن تصلي بالثوب من الحرير وعليه؛ لأنه لا يحرم عليها لبسه في غير الصلاة، فلم يحرم في الصلاة.
ويكره أن يصلي في ثوب عليه صور؛ لما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: كان لي ثوب فيه صورة، وكنت أبسطه؛ لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي عليه، فقال لي: أخريه عني، فجعلت منه وسادتين».

.[مسألة:السترة بورق الشجر أو الطين]

إذا لم يجد ما يستر به عورته، إلا ورق الشجر، لزمه أن يستتر بذلك؛ لأنه سترة طاهرة، يمكنه الستر بها.
وإن لم يجد إلا طينا طاهرًا.. فهل يلزمه أن يستتر به" فيه وجهان؟
أحدهما قال أبو إسحاق: لا يلزمه الاستتار به، لأنه يلوث به نفسه، ولأنه يجف فيتناثر عنه.
والثاني: يلزمه الاستتار به، قال المحاملي: وهو المذهب، لأنه سترة طاهرة، فأشبه الثوب.
فعلى هذا: إذا كان ثخينا، وأمكنه أن يستر نفسه به، من غير أن يمس عورته.. تولى ذلك بنفسه، وإن كان رقيقا لا يمكنه الاستتار به، إلا بمس عورته، أمر غيره أن يتولى ذلك عنه؛ لئلا يمس عورته، فتبطل طهارته.
وإن لم يجد إلا ما يستر به بعض العورة. ستر به القبل والدبر، لأنهما أغلظ من غيرهما.
وإن لم يجد إلا ما يستر به أحدهما.. ففيه وجهان.
أحدهما: أن الدبر أولى؛ لأنه أفحش في حال الركوع والسجود.
والثاني: أن القبل أولى، وهو المنصوص، لأنه لا يستتر بغيره، والدبر يستتر بالأليتين، ولأنه يستقبل به القبلة.
قال في "الفروع": وقيل: هما سواء.
فإن خالف، وستر بذلك فخذه، أو سائر عورته غير الفرجين، جاز؛ لأن حكم الجميع واحد، وإن كن قد خالف المستحب.

.[فرع: الصلاة عريانًا]

فإن لم يجد سترة.. صلى عريانا، ويلزمه أن يصلى قائما.
وقال الأوزاعي، ومالك، والمزني: (يلزمه أن يصلي قاعدًا) وحكاه المسعودي في "الإبانة" [ق \ 71] قولا للشافعي، وهو ليس بمشهور.
وقال أبو حنيفة: (هو بالخيار بين: أن يصلي قائما، وبين أن يصلي قاعدا).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صل قائما، فإن لم تستطع.. فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» ولم يفرق بين العريان وغيره.
ولأنه مستطيع للقيام، فلا يجوز له تركه، كما لو كان مستترًا.
فإن صلى عريانا، مع عدم السترة.. فهل تلزمه الإعادة؟
قال الشيخ أبو زيد: إن كان في الحضر.. ففي الإعادة قولان، وإن كان في السفر.. لم يلزمه الإعادة، قولا وحدا.
وقال سائر أصحابنا: لا تلزمه الإعادة قولا واحدا، في سفر ولا في حضرٍ؛ لأن العري عذر عام، وربما اتصل ودام، وقد يعدم ذلك في الحضر، كما يعدمه في السفر، فلو ألزمناه الإعادة... لشق ذلك.

.[فرع: من وجد السترة حال الصلاة]

إذا لم يجد سترة، فدخل في الصلاة، وهو عريان، ثم وجد السترة في أثناء الصلاة، أو صلت الأمة مكشوفة الرأس، فأعتقت في أثناء الصلاة، ووجدت ما تستر به رأسها، فإن كانت قريبة منهما تناولاها، واستترا، وأتما صلاتهما، لأن ذلك عمل قليل.
وإن كانت السترة بعيدة منهما، يحتاج إلى أن يمشي إليها خطوات، فإن كان هناك من يناولهما السترة فإن ناولهما سريعا.. صح.
وإن طال الانتظار، فصبرا إلى أن ناولهما الغير.. فهل تبطل صلاتها؟ فيه وجهان:
الأول: قال أبو إسحاق: لا تبطل؛ لأنه انتظار واحد، فلم تبطل به الصلاة، كالإمام إذا انتظر المأموم في الركوع.
والثاني: تبطل؛ لأنهما تركا السترة، مع القدرة عليها.
قال في "الإبانة" [ق\71] وهذان الوجهان، بناء على الوجهين فيمن سكت في صلاته سكوتا طويلًا، ولم يعمل فيه شيئا من أعمال الصلاة.
وإن لم يكن هناك من يناول السترة.. فقد قال البغداديون من أصحابنا: تبطل صلاتهما؛ لأنهما يحتاجان إلى عمل كثير.
وقال المسعودي [في "الإبانة" ق\71] يلزمهما المشي إلى السترة، ويستتران، وهل تبطل صلاتهما، أو يجوز لهما البناء عليها؟ فيه وجهان، بناء على القولين فيمن سبقه الحدث في الصلاة.
وإن عتقت الأمة في الصلاة، ولم تعلم بعتقها، حتى فرغت من الصلاة، وكان لها سترة يمكنها الاستتار بها: إما قريبة أو بعيدة، أو علمت بالعتق، وجهلت وجود السترة، فهل يلزمها الإعادة؟ فيه طريقان، حكاهما ابن الصباغ.
أحدهما من أصحابنا من قال: فيه قولان، كما قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فيمن صلى، ثم وجد على ثوبه نجاسة، كانت معه في الصلاة، ولم يعلم بها قبل دخوله. ولم يذكر في "المهذب" غير هذا.
والثاني منهم من قال: تجب عليها الإعادة، قولا واحدًا - ولم يذكر الشيخ أبو حامد في "التعليق" غيره - والفرق بينهما: أن الأمة قد كان يمكنها أن تستتر قبل الدخول في الصلاة، فإذا تركت السترة.. فقد فرطت. ومن عليه نجاسة لا يعلم بها.. غير مفرط في تركها.

.[فرع: صلاة مكشوفة الرأس]

قال ابن الصباغ: إذا قال الرجل لأمته: إن صليت مكشوفة الرأس فأنت حرة من الآن فصلت مكشوفة الرأس.. صحت صلاتها، ولم تعتق قبل الصلاة؛ لأن هذه صفة باطلة؛ لأن تقدم المشروط على الشرط محال، فيكون بمنزلة إيقاع العتق في الزمان الماضي.

.[مسألة:عراة الرجال والنساء]

وإن اجتمع جماعة عراة رجال ونساء.. فإن النساء لا يصلين مع الرجال؛ لأنا: إن قلنا: يقفن مع الرجال في صفهم.. خالفن السنة في موقفهن.
وإن قلنا: يقفن في صف خلف الرجال.. أبصرن عورات الرجال؛ لأنهن لا يمكنهن غض أبصارهن.
فإن كان هناك حائل.. دخله النساء، وصلين وحدهن، وصلى الرجال وحدهم. وإن لم يكن حائل، وكان الموضع ضيقا، كالسفينة.. فإن النساء يولين الرجال ظهورهن، ويستدبرن القبلة، فيصلي الرجال، ثم يولونهن ظهورهم، ويصلين أيضا.
وهل يصلي الرجال جماعة، أو فرادى؟
قال الشافعي في الجديد (إن شاؤوا.. صلوا جماعة، وإن شاؤوا.. صلوا فرادى).
وقال في القديم: (أحببت أن يصلوا فرادى، فإن صلوا جماعة.. فلا بأس به).
فخيرهم في الجديد؛ لأنه تقابل أمران: فضيلة الجماعة، وترك نظر بعضهم إلى عورة بعض، فخيرهم.
واستحب في القديم الفرادى؛ لأن الجماعة فضيلة، وترك النظر واجب، فقدم الواجب على الفضيلة.
فإن صلوا جماعة.. وقف الإمام وسطهم، وكانوا صفا واحدًا؛ لأن ذلك أغض لأبصارهم.
فإن لم يمكن إلا صفين.. صلوا صفين، وغضوا أبصارهم.
وأما النساء فإنهن يصلين جماعة؛ لأن سنة الموقف في حقهن لا تتغير بالعري.

.[فرع: عراة ومعهم من وجد السترة]

وإن كان مع الرجال رجل يصلح للإمامة، معه سترة... فالأولى أن يصلوا جماعة، قولا واحدًا؛ لأنهم يمكنهم الجمع بين فضيلة الجماعة وسنة الموقف، بأن يقدموه.
وإن كان مع رجل سترة، تزيد على ستر عورته.. استحب له أن يعير العراة، فإن أعار واحدا منهم... فالمذهب: أنه يلزمه قبول العارية؛ لأنه لا منة عليه في ذلك، فإن صلى عريانًا... بطلت صلاته؛ لأنه صلى عريانًا، مع وجود السترة الطاهرة.
وحكى صاحب "العدة" وجها آخر: أنه لا يلزمه قبول العارية، كما لا يلزمه قبول هبته، وليس بشيء.
وإن وهب له السترة، فهل يلزمه قبولها؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: هو المشهور - أنه لا يلزمه قبول الهبة؛ لأن في قبول ذلك التزام منة، فلم يلزمه، كما لا يلزمه قبول الرقبة، إذا كان عليه كفارة.
فعلى هذا: إذا صلى عريانا... صحت صلاته.
والثاني: حكاه في "الفروع": أنه يلزمه قبول الهبة، كما يلزمه قبول العارية.
الثالث - وهو قول أبي علي الطبري -: أنه يلزمه قبول هبته، فيصلي به، ثم يرده إن شاء؛ لأن عليه: أن يتسبب إلى ستر عورته، بما أمكنه من ورق الشجر وغيره، وقد أمكنه ذلك، فلزمه. ولأن الهبة تضمنت تمليك العين والمنافع، فإذا لم يلزمه قبول ملك العين لزمه قبول المنافع، فيكون في التقدير: كأنه إعارة.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا ليس بصحيح؛ لأن صاحب الثوب ملكه العين، فلا يملك قبول المنافع، وإذا قبل العين وقبضها.. فلا يملك ردها، إلا برضا الواهب.
وإن اجتمع رجل وامرأة عاريان، ومع رجل سترة، تكفي أحدهما.. فالمرأة أولى؛ لأن عورتها أغلظ.
وإن أعار صاحب السترة جميع العراة.. صلوا فيها واحدا بعد واحد، فإن خافوا فوت الوقت.. قال الشافعي: (لزمهم انتظار السترة وإن فات الوقت). وقال في قوم في سفينة ليس فيها موضع يقوم فيه إلا واحد: (إنهم يصلون من قعود).
فمن أصحابنا من نقل جواب كل واحدة منها إلى الأخرى، وخرجهما على قولين.
ومنهم من حملهما على ظاهرهما؛ فقال في السترة: يلزمهم الانتظار، وفي القيام: لا يجوز لهم الانتظار؛ لأن السترة لا يجوز تركها مع القدرة عليها بحال؛ والقيام يجوز تركه مع القدرة عليه في صلاة النفل.
فإن امتنع صاحب السترة من الإعارة.. لم يجبر؛ لأن صلاة العريان صحيحة. والله أعلم وبالله التوفيق.

.[باب استقبال القبلة]

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا يجوز لأحد: أن يصلي فريضة، ولا نافلة، ولا سجود قرآن، ولا جنازة، إلا متوجها إلى البيت الحرام).
وجملة ذلك: أن القبلة كانت في أول الإسلام إلى بيت المقدس، وقد استقبله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مدة إقامته بمكة قبل الهجرة، وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحب أن يوجه إلى الكعبة؛ لأنها قبلة آبائه: إبراهيم وإسماعيل، وبيت المقدس: قبلة اليهود. وكان من شدة حبه لذلك يصلي من ناحية الصفا؛ ليستقبل الكعبة وبيت المقدس. فلما تحول إلى المدينة... تعذر عليه استقبالهما؛ لأن من استقبل بيت المقدس بها.. استدبر الكعبة، فأقام - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي بالمدينة إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، يسأل الله: أن يحول قبلته إلى الكعبة، فنزل جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فأخبره: أنه يحب استقبال الكعبة، فعرج جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتبعه بصره، ويقلب طرفه نحو السماء، ينتظر نزول الوحي بذلك، فنزل عليه قَوْله تَعَالَى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144].
و (المسجد الحرام) هاهنا: الكعبة، قال الله تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ} [المائدة: 97] يعني: مقاما لهم، ولصلاتهم.
وقال الله تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26] يعني: المصلين.
ومعنى قوله: {شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144] أي نحوه: وتلقاءه.
قال الشاعر:
ألا من مبلغ عمرا رسولا ** وما تغني الرسالة شطر عمرو.

أي: نحو عمرو.
إذا ثبت هذا: فهل استقبال القبلة ركن في الصلاة، أو شرط فيها؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في "الإبانة" ق \ 62] الظاهر: أنها شرط.
فإن كان بحضرة البيت.. لزمه التوجه إليه؛ لما روى أسامة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل الكعبة، فلم يصل فيها، ثم خرج وصلى إليها ركعتين، وقال: هذه القبلة».
فإن استقبل القبلة ببعض وجهه.. ففيه وجهان حكاهما المسعودي.
[في"الإبانة" ق\61\أ]، بناء على القولين في الطائف، إذا استقبل الحجر ببعض بدنه.
وإن دخل الكعبة، وصلى فيها.. صحت الصلاة، سواء كانت الصلاة فرضا أو نفلًا.
وقال ابن جرير: لا يصح فيها فرض ولا نفل.
وقال مالك: (يصح فيها النفل دون الفرض).
دليلنا، - على ابن جرير - ما روى بلال: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل الكعبة، وصلى فيها ركعتين».
وعلى مالك: أنه متوجه إلى جزء من البيت، فجازت فيه صلاة الفرض، كما لو كان خارج البيت.
إذا ثبت هذا: فروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا».
فسألت الشيخ الشريف محمد بن أحمد العثماني - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ما المراد بالمسجد الحرام بهذا الخبر؟ فقال: المراد به: الكعبة، والمسجد حولها، وسائر بقاع الحرم لأن الله تعالى قال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء: 1] ومعلوم: أنه أسري به من بيت خديجة، وكل موضع أطلق: المسجد الحرام.. فالمراد به: جميع الحرم.
والذي تبين لي أن المراد بهذا الخبر: الكعبة، وما في الحجر من البيت، وهو ظاهر كلام صاحب "المهذب"؛ لأنه قال: الأفضل أن يصلي الفرض خارج البيت؛ لأنه يكثر فيه الجمع، والأفضل أن يصلي النفل في البيت؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا».
ومن الدليل على ما ذكرته، ما وري: أن عائشة قالت: «يا رسول الله، إن نذرت أن أصلي في البيت، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صلي في الحجر، فإنه من البيت».
فلو كان المسجد وسائر بقاع الحرم يساوي الكعبة بذلك.. لم يكن لتخصيصها البيت بالنذر معنى، ولأمرها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تصلي في سائر بقاع الحرم.
ولا فرق بين أن يقول: عليه لله أن يصلي في المسجد الحرام، أو في البيت الحرام.
إذا ثبت أن: البيت الحرام: إنما هو الكعبة، فكذلك المسجد الحرام.
وأما الآية: فإنما سمي بيت خديجة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بالمسجد الحرام، على سبيل المجاورة.
وإذا صلى في البيت. نظرت.
فإن استقبل شيئا من جدرانه، أو أساطينه.. صح؛ لأنه متوجه إلى جزء منه.
وإن صلى إلى باب البيت، فإن كان مردودا إلى خارج.. صح؛ لأن الباب من البيت.
وإن كان الباب مفتوحا... قال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، فإن كان للباب عتبة شاخصة وإن قلت... صحت صلاته؛ لأنه متوجه إلى جزء من البيت.
وإن لم يكن له عتبة شاخصة... لم تصح صلاته؛ لأنه لم يتوجه إلى جزء من البيت.